قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦١البابليون على اليهود وأحرقوا هيكل بيت المقدس، والتوراة الموجودة الآن يرجع أصلها إلى ما كتبه عزرا الكاهن بأمر "ارتحشتا" ملك فارس الذي أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى أورشليم، وأذن له أن يكتب لهم كتابا من شريعة الرب وشريعة الملك، ولذلك تكثر فيها الألفاظ البابلية كثرة فاحشة، وقد بينا تحقيق ذلك في تفسير أول سورة آل عمران وبعض آيات من سورة النساء والمائدة، كما بينا أن إنجيل المسيح عليه السلام لم يدون في عصره، ولم ينقله عنه الحواريون كما نقل القرآن تواتراً بالحفظ والكتابة، ولا كنقل الحديث بالأسانيد المتصلة، وإنما ظهرت هذه الأناجيل التي هي قصص مختصرة له واشتهرت بعد ثلاثة قرون كما ظهر عشرات غيرها، فاعتمد أربعة منها رؤساء الكنيسة التي أسسها قسطنطين ملك الروم الذي تنصر تنصراً سياسياً، وأدخل النصرانية في دور جديد ممزوج بالوثنية، وقد طرقنا أبواب البحث في "المنار" مراراً وتغلغلنا فيها أحياناً، ومن ذلك مقال نشرناه في الجزء الثاني من المجلد السادس "صفحة 321" عقب ما كتب في شأن عثور بعض علماء الآثار العادية من الألمان على شريعة "حمورابي" منقوشة على عمود من صم الصفا في العراق. فقد ظهر لهم أن معظم شريعة التوراة موافقة لهذه الشريعة ما ظهر لبعض المحققين منهم أن أسفار هذه التوراة مشتملة على المئات أو الألوف من الألفاظ البابلية المحضة، فجزم الأحرار من هؤلاء الباحثين بأن التوراة مقتبسة وليست وحياً من الله تعالى" (1).
وهناك الكثير من اتباع مدرسة أهل الحديث قد ردّ على من أجاز الاحتجاج بالتوراة وأنكر تحريفها، فقد قال الذهبي: "ولا يُشرع لأحد بعد نزول القرآن أن يقرأ التوراة ولا أَن يحفظها، لكونها مُبَدَّلَة مُحرَّفة منسُوخة العمل، قد اختلط فيها الحق بالباطل، فلتُجتنب" (2). وقال ابن كثير: "وقال وهب ابن منبه: عن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منهما حرف … فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص" (3)، وقال أيضاً: "فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلوا عليه
(1) محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" ج1ص174.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص ج3ص86.
(3) ابن كثير في تفسيره للآية 78 من سورة آل عمران ج1ص424.