قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

ولم نجد نصاً يدل على طرح مثل هذه القضية عند أهل الحديث الأوائل، وأول من طرح هذه القضية هو ابن تيمية الحرّاني (ت 728هـ)، الذي يقول: "لم لا يجوز أن تكون السماوات والأرض بأنفسها مسبوقة بمادة بعد مادة لا إلى غاية … فما الذي أوجب مخالفة ما اتفقت عليه الرسل وأهل الملل وأساطين الفلاسفة القدماء" (1). وقال: "وذلك القول بحدوث هذا العالم هو قول أساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، بل هم يذكرون أن أرسطو أول من صرح بقدم الأفلاك، وأن المتقدمين من قبله من الأساطين كانوا يقولون: إن هذا العالم محدث إما بصورته وإما بمادته وصورته، وأكثرهم يقولون بتقدم مادة هذا العالم على صورته. وهذا موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم" (2). وقال مشنعاً على من يقرّ بوحدانية الله تعالى في الأزل: "والأعجب من ذلك حكاية الإجماع على كفر من نازع في أنه سبحانه لم يزل وحده لا شيء معه". (3)

وقال ابن عبد العزّ (ت 792هـ) منتصراً لكلام أستاذه الحرّاني: "وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ … منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجوداً وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث … والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثم استوى على العرش … دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه … لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق أصلاً معه أصلاً لأن قوله "وكان عرشه على الماء" يردّ ذلك" (4).

وتابعه أيضاً تلميذه ابن القيم (ت 751هـ) الذي قال:

هل بين ذلك قط من فرقان … قلنا صدقتم وهو ذو إمكان

كتسلسل التأثير في مستقبل … هل بين ذلك قط من فرقان

(1) ابن تيمية "منهاج السنة" ج1 ص220.

(2) ابن تيمية "منهاج السنة" ج1ص360.

(3) ابن تيمية "نقد مراتب الإجماع على هامش مراتب الإجماع لابن حزم" ص33 - 36.

(4) ابن عبد العزّ "شرح العقيدة الطحاوية" ج1ص202 - 205.

١٦٣ / ٢٦٦