قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

والله ما افترقا لذي عقل لا … نقل ولا نظر ولا برهان (1)

ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو … أزل لذي ذهن ولا أعيان

بل كل فرد مسبوق بفرد … قبله أبداً بلا حسبان (2)

وقال محمد خليل هراس في شرحه لكلام ابن القيم السابق: "انقسم الناس في تسلسل الحوادث والآثار إلى ثلاث طوائف فأهل السنة والجماعة ذهبوا إلى إمكانه في جانب الماضي والمستقبل جميعاً بلا فارق".

ومعنى كلام هؤلاء أن الله تعالى لم ينفرد بالوحدانية في الأزل، وأنه لم يخلق الأشياء من عدم!، فعملية الخلق بالنسبة لهؤلاء إنما هي مجرد عملية تحويل للأشياء من حالة إلى أخرى، وعملية التحويل هذه مستمرة منذ الأزل!. وفي هذا سلب لصفة إنفراد الله تعالى بالأزلية، وفيه إثبات لقدم أصل المخلوقات مع الله مما يؤدي إلى إثبات شريك لله في القدم مما يترتب عليه إثبات شريك له في الربوبية، فطالما تساويا في القدم فلا يوجد مرجح لقدرة أحدهما على الآخر إلا بمرجح خارجي، مما يستلزم تعدد الآلهة أو أن يكون الله تعالى مخلوقاً لآخر أعطاه القدرة على أصل العالم.

وابن تيمية يقرر في كلامه السابق أن عقيدة قدم أصل العالم، قد استمده من فلاسفة اليونان!، بيد أن السؤال المطروح هو عن أي نوع من الفلاسفة يتحدث ابن تيمية؟ فالفلاسفة اليونان ينقسمون إلى فريقين، الفريق الأول هم الفلاسفة القدماء أو الذين يعرفون بالحكماء السبعة "تاليس الملطي، أناكسوغورس، وانكسيمانس، وانبادوقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون"، وهؤلاء كانت فلسفتهم فلسفة خرافية لا عقلية، والفريق الثاني من الفلاسفة هم أصحاب الفلسفة العقلية ومؤسس هذه الفلسفة العقلية هو أرسطوطاليس، وسار طلبة أرسطو على منواله في تعاطي الفلسفة العقلية إلى أن أصيبت الإمبرطورية الرومانية بالانهيار العسكري والاقتصادي والاجتماعي الذي كان من تداعيات فشل حملة الإسكندر المقدوني، وأصيبت الساحة الفكرية اليونانية بحالة من الإنحطاط، فظهر في هذه المرحلة رجل يهودي! يدعى

(1) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص173.

(2) نفس المصدر ج1ص175.

١٦٤ / ٢٦٦