قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

إفلوطين، وقام بإعاد قراءة للفلسفة اليونانية بطريقة خرافية تلمودية، ألغى فيها الفلسفة الأرسطية، واعتمد على فلسفة فيثاغورث اللاعقلية، فأخرج مزيجاً من الفلسفة والخرافة صارت تعرف فيما بعد بـ"الفلسفة الهرمسية" نسبة إلى هرمس (المثلث بالعلوم والحكمة) الذي يعتبر الإله (أحد آلهة اليونان أو الإله طوط المصري)، أو الناطق باسم الإله (هرمس= نبي= إدريس (عليه السلام))، وهي بجانب إحيائها لفلسفة فيثاغورث اللاعقلية امتزجت فيها أيضاً الخرافات التلمودية، والميثلوجيا الإنجيلية، والموروث الزرادشتي والهندي القديم (1).

هذا الفكر الهرمسي الذي نشأ في القرنين الثاني والثالث الميلاديين في الإسنكدرية، انتقل بعد ذلك إلى حرّان بالشام، وأصبحت حرّان بذلك مركزاً للهرمسية العالمية، وظلت على مر القرون بؤرة لتصدير الفكر الهرمسي إلى أرجاء البسيطة، واستطاع هذا الفكر الهرمسي أن يخترق جميع المدارس الفكرية. حتى المدارس الإسلامية لم تسلم منه، حيث تسرب إلى الفكر الإسلامي بإجازة ورضى من الدولة الأموية، خاصة أيام خالد بن يزيد بن معاوية كما بيناه في المقدمة.

وحرّان هذه هي نفس البلد الذي نشأ وترعرع فيه ابن تيمية إمام أهل الحديث في القرنين السابع والثامن الهجريين، فقد ولد الرجل في بيئة هرمسية تسيطر عليها الهرمسية الإشراقية المتمثلة في الجماعات الصوفية ذات الفكر الحلولي والإتحادي، لكن خلفيته المعرفية الحنبلية دفعته بقوة للثورة ضد مظاهر التصوف الخرافي، مما جعله في حالة صدام مستمر مع قوى التصوف الغنوصية، هذا الصدام اضطر ابن تيمية إلى اللجوء للفلسفة في محاولة لنقض بنيان الفكر الصوفي الهرمسي، بيد أن الفلسفة المتاحة لابن تيمية في حرّان بؤرة الهرمسية لم تكن سوى الهرمسية نفسها!.

ونتيجة للعداء التاريخي بين الفلسفة الأرسطية العقلية وبين أهل الحديث لم يستطع ابن تيمية التفاعل الإيجابي مع العقلانية الأرسطية، بل وقف منها موقفاً سلبياً محارباً دفعه إلى وصف أرسطو وأتباعه بالشرك وممارسة السحر!، حيث يقول فيهم: "كما كان أرسطو وقومه من

(1) محمد عابد الجابري "تكوين العقل العربي" الفصل السابع من الكتاب. بتصرّف.

١٦٥ / ٢٦٦