قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٦اليونان مشركين يعبدون الأصنام ويعانون السحر، ولهم في ذلك مصنفات وأخبارهم مشهورة، وآثارهم ظاهرة بذلك" (1). واستقراء فكر أرسطو يؤكد على إقرار الرجل بوجود إله واحد أسماه "واجب الوجود"، وأن هذا الواجب الوجود يلزم أن يكون واحداً فقط، وأنه محرك العالم، وأن علمه ذاتي غيرمكتسب، وأن بقية الموجودات حادثة محتاجة إلى "الواجب الوجود" (2)، إلى غير ذلك من أفكار تفيد وصول الرجل عن طريق التفكر في ملكوت الله إلى وجود الله عز وجل، وذلك ليس بمستغرب فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ يونس: 6، فاتهام ابن تيمية لأرسطو بعبادة الأصنام يدور في نفس دوامة اتهام المخالف بالإنحراف والكفر والبدعة، وعبدة الأصنام هم في الحقيقة قدماء الفلاسفة اليونان الذين يعتقدون تعدد الإلهة، وهؤلاء هم أئمة الهرامسة الذين تسرب فكرهم إلى أهل الحديث، وجعلهم يبتدعون القول بقدم أصل العالم.
وهناك بعض تلامذة ابن تيمية الذين انتقدوا قوله بقدم أصل العالم كالألباني الذي قال: "ولقد أطال ابن تيمية رحمه الله في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء كلامه بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب … كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج، لأن الكلام به شبيه بالفلسفة وعلم الكلام" (3).
والذهبي الذي قال له: "يا رجل بالله عليك كفَّ عنا فإنك مِحجاجٌ عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والأغلوطات في الدين، كرِه نبيك محمد (صلى الله عليه و سلم) المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟ والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبِّش
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4 ص161.
(2) الشهرستاني "الملل والنحل" ج2ص444 - 462. إلا أن أرسطو كفر حين قال أن رب الكون تخلى عنه بعدما خلقه.
(3) ناصر الدين الألباني "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ج1ص108 عند الكلام على الحديث رقم 133.