قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٨أعطيتني من هذا الماء؟ فقال: إن ذلك لا يستقيم، إنه من ماء الجنة، أنزله لعقبه آدم بأرض الهند، وأنا من سكان ذلك المكان من الجن، ثم غاب عن عينه، فأقبل السجان مذعوراً" (1).
وكيف للإنسان أن يرى أو يسمع الجن والله تعالى يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف: 27، إن القدرة على رؤية وتكليم الجن لم تثبت لأحد من البشر إلا لسليمان (عليه السلام) الذي طلب من الله تعالى أن يعطيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ص: 35، فلبى الله تعالى طلبه ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ص: 36 - 38، فلا يمكن لأحد من البشر غيره أن يحوز على هذا الأمر.
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن بركة: "من قال: إن الجن يراهم بنو آدم، ويكلمونهم، وأن السحرة ينقلبون حماماً، فإن تاب وإلا بريء منه، ولا يجوز لأحد أن يقول: أن أحداً من بني آدم يرى إبليس –لعنه الله- لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف: 27، والله أعلم" (2).
حتى النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يثبت تكليمه للجن، بل ثبت في الكتاب العزيز خلافه حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ الجن: 1، فالرسول (صلى الله عليه و سلم) لم يكلم الجن، وإنما أوحى الله إليه أن الجن قد سمعوا القرآن، وآمنوا به، وكذلك قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا
(1) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص187.
(2) جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة" ج6ص329 - 330.