قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} الأحقاف: 30 ليس فيه شيء من التكليم بين الرسول (صلى الله عليه و سلم) وبين الجن، وما يروى عن ابن مسعود من قصة خطاب الرسول للجن في الوادي (1)، لا يثبت لمخالفته نصوص الكتاب المسطور "القرآن العظيم".

وقد أجاد التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد حين احال قضية تكليم النبي (صلى الله عليه و سلم) للجن إلى عالم الغيب، حيث قال: "يروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي (صلى الله عليه و سلم) له أن يتوضأ بالنبيذ. قد سمعت جملة من الصحابة يقولون: ما حضر ابن مسعود تلك الليلة، والذي رفع عنه كذب، والله أعلم بالغيب" (2)، فهو يؤكد أن ما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه غير صحيح، وفي نفس الوقت يرشد الأمة إلى أن قضية الجن هي من قضايا الغيب التي لا يقطع فيها إلا بالدليل القطعي الذي يمثله النص القطعي المتواتر في ثبوته ودلالته من الكتاب أو السنة المتواترة التي لا يشك في تواترها، أو النقل القطعي من الواقع والحس والمشاهدة.

وكلام الإمام جابر بن زيد موافق لكلام شيخه وأستاذه عبد الله بن عباس الذي قال: "ما قرأ رسول الله (صلى الله عليه و سلم) على الجن ولا رآهم" (3)، وقال أيضاً: "وإنما أوحي إليه قول الجن" (4).

ولو جئنا لكتاب الله المنظور "الكون"، ودققنا في سننه التي شاء الله تعالى أن لا تتغير ولا تتحول، كما قال عز وجل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ الفتح: 23، وقال: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فاطر: 43، فإننا نجد أن طبائع الجن تختلف عن طبائع الإنس، فعالم الجن يدخل ضمن دائرة الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ولم تصل علوم البشر الكونية إلى الدرجة التي تؤهلهم للتواصل مع الجن.

(1) ابن خزيمة برقم 82، الترمذي 3271.

(2) مسند الربيع برقم 165.

(3) رواه البيهقي في دلائل النبوة، نقله ابن كثير في تفسيره ج4ص176.

(4) البخاري 773 و4921.

١٦٩ / ٢٦٦