قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٠

واستخفاف غلاة أهل الحديث بعقل الأمة جعلهم يستدلون بقصص خرافية تزعم بأن الحشرات توافقهم على عقيدتهم الهرمسية، من ذلك ما ذكره أحمد بن حنبل من أن وكيع حدثه، قال: حدثنا مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود عليهما السلام يستسقي بالناس فمر على نملة مستلقية على قفاها، رافعة أحد قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا أو تهلكنا" (1). وهذه القصة الهرمسية وراءها راوٍ ضعيف صاحب مناكير هو زيد العمي (2).

وفي نفس سياق التضليل الإعلامي الذي يمارسه غلاة أهل الحديث يقول ابن القيم: "وفي هذا الباب قصة حمر الوحش المشهورة التي ذكرها غير واحد، إنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله فتأخرت عنه فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد، فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت" (3).

وهذه القصة ربما تكون مشهورة عند أصحاب الفكر الهرمسي، بيد أن العقل السوي الذي نحتته نصوص القرآن الكريم وشكلته الفطرة الإسلامية الصافية لا يمكن أن يقبلها لمخالفتها القوانين والسنن الكونية التي أثبت القرآن العظيم ثباتها وعدم تحولها، فالحمير وبقية الحيوانات لا يمكن معرفة منطقها إلا بمعجزة كالتي أعطاها الله تعالى لنبيه سليمان (عليه السلام) ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ النمل: 16، أو علم كوني لم تتوصل العلوم البشريه إليه.

ولم ينس غلاة أهل الحديث في خضم الدعاية الإعلامية لترويج فكرتهم الاستدلال بأقوال البقر، حيث يقول ابن القيم: "قال الرسول (صلى الله عليه و سلم): "أكرموا البقر فإنها سيدة البهائم، ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله -عز وجل- منذ عُبِدَ العجل" … والمقصود أن هذه

(1) مصنف ابن أبي شيبة 29487 و34273، وابن القيم "إجتماع الجيوش" ص297.

(2) الذهبي "ميزان الإعتدال" ج2ص102.

(3) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص296 - 297.

١٧٠ / ٢٦٦