قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٢عقيدة التجسيم (1)
بينّا سابقاً أن منهج أهل الحديث يقوم على الأخذ بظواهر الألفاظ والسطحية في التعامل مع النصوص المتمثلة في النظرة الجزئية المنسلخة عن الإطار العام الذي ترسخه القواعد الكلّية، وهذا المنهج النصوصي الجزئي لا يتوقف على نصوص اأحكام فقط بل يتجاوزه إلى النصوص التي تتعلق بعقيدة التوحيد، ويلخص لنا ابن تيمية هذا المنهج بالقول "فمذهب السلف رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها" (2)، ويستطرد صالح الفوزان في التعبير عن هذا المنهج بالقول "الإيمان بصفاته التي وصف نفسه بها في كتابه أو وصفه بها رسوله في سنته وذلك بأن نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنة بألفاظها ومعانيها من غير تحريف لألفاظها ولا تعطيل لمعانيها" (3).
والإشكال في هذه المنهج النصوصي التجزيئي الظاهري يتمثل في فشله في التعامل مع النصوص المتشابهة ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ آل عمران: 7، فإن إجراء هذه "النصوص المتشابهة" على ظاهرها دون محاولة لتأويلها بما يتناسب وانسجام النصوص وتناغمها وصولاً بها إلى التوافق والتطابق والإحكام "النصوص المحكمة" يؤدي إلى إشكالات نصية كبيرة أدت بغلاة أهل الحديث إلى انتحال عقيدة التجسيم.
وقد وصل الغلو والتطرف ببعض أهل الحديث في عقيدة التشبيه والتجسيم إلى درجة وصفهم من يسكت عن الآيات المتشابهات ويفوض معانيها إلى الله تعالى بالزندقة!، فحين قال
(1) التجسيم هو وصف الله تعالى بصفات الأجسام، كوصفه بشغل حيز من الفراغ، ووصفه بالجوارح والأعضاء كالقول بأن له وجهاً ويداً وعيناً وجنباً وساقاً.
(2) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4ص6.
(3) صالح الفوزان "شرح العقيدة الواسطية" ص15.