قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، وأكثرها مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: … وإن العرش لتئط من تحته كأطيط الرحل الحديد، وإنه ليفضل من كل جنب أربعة أصابع" (1).

البلكفة (بلا كيف):

أدرك أهل الحديث ردة فعل الأمة الإسلامية ضدهم خاصة بعد إقرار غلاتهم بمذهب التجسيم الصريح، فلهذا اعتمدوا استراتيجية جديدة مبنية على ادّعاء أن الصفات البشرية التي يثبوتنها لله تعالى هي غير معلومة الكيفية "بلا كيف". يقول ابن تيمية: "ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل" (2).

وقد يظن البعض أن المقصود بعبارة "من غير تكييف ولا تمثيل" هو تنزيه الله تعالى عن النقائص وتفويض معاني ألفاظ النصوص المتشابهة إلى علمه تعالى، بيد أن قراءتنا السابقة لحقيقة منهج أهل الحديث القائم على إثبات ظواهر الألفاظ وإنكار المجاز والتأويل يؤكد لنا خطأ هذا الظن، وأن البلكفة ليست إلا مناورة للتملص من إلزامات التجسيم.

والملاحظ أن مصطلح البلكفة لم يثبت في شيء من نصوص القرآن والسنة!، فهو مصطلح مبتدع، فكيف أخذ به أهل الحديث وهم الذين كثيراً ما نراهم يشنون الغارات ضد كل مبتدع من المصطلحات، بينما نراهم الآن يفارقون منهجهم ليتخلصوا من إلزامات منهجم؟!.

وقد أخبرنا الله تعالى أنه خلق آدم بيديه في قوله ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ ص: 75، وحسب منهج أهل الحديث تكون "اليد معلومة، لكنها غير معلومة الكيفية".

(1) الملل والنحل الشهرستاني (479هـ) ص118.

(2) ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج5ص26.

١٨٤ / ٢٦٦