قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

وهذا الكلام غير مسلم به لأن اليد إنما تكون معلومة إذا أريد بها الجارحة وإن لم تعلم كيفيتها -هل هي كيد البشر أم كيد الحيوانات أم غيرها- وبذلك يلزم أهل الحديث القول أن الله خلق آدم بيدين هما جارحتان، وإن لم تُعلم كيفيتهما. فإن وافق أهل الحديث على هذا الإلزام وأثبتوا الجارحة، فقد أقرّوا بأنهم من المجسمة المشبهين لله تعالى بخلقه، أما إذا كابروا وقالوا: ليست اليد بالجارحة. قيل لهم: قد عدلتم عن ظاهر اللفظ، وخالفتم منهجكم القاضي بالأخذ بظواهر الألفاظ!. فإن قالوا: "اليدان هما شيء آخر غير الجارحة لا يُعلَم". فأنهم بهذا القول لا يثبتون شيئاً لله، أو أنهم يثبتون ما لا يعلمون، وهم بذلك يعطّلون آيات الكتاب العزيز، وينفون معنى الآية القاضي بأن الله تعالى خلق آدم بقدرته وأمره، ويثبتون المجهول!.

يقول الزمخشري (ت 538هـ): "ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:

لجماعة سموا هواهم سنة … وجماعة حمرٌ لعمري مؤكفة

قد شبهوه بخلقه فتخوفوا … شنع الورى فتستروا بالبلكفة (1)

وقال الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ) فيهم أيضاً:

فالآي ما قالت بلا كيف ولا … قال النبي بذا فمن أردفه

أترى مقالهم بلا كيف سوى … إفك يزاد لقائل ما أسخفه (2)

وقد حاول أهل الحديث الدفاع عن موقفهم، وتبرير سبب أخذهم باللبلكفة، إذ يقول ابن تيمية: "وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد بها الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال به السلف كمالك وغيره: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فالاستواء معلوم –يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى– وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله" (3).

(1) محمود الزمخشري "الكشّاف" ج2ص148

(2) السالمي، مشارق أنوار العقول ص272.

(3) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص36 - 37.

١٨٥ / ٢٦٦