قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٦

ونسبة مصطلح البلكفة إلى مالك وغيره يدور في طاحونة ترسيخ قدسية القرون الثلاثة الأولى، أما قول ابن تيمية: "فالاستواء معلوم –يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى–". فالجواب عليه: أن الاستواء معلوم لدى الخاص والعام من الأمة الإسلامية، لأنه ثابت بنصوص الكتاب العزيز التي لا يجوز إنكارها، وفعلاً أن معنى هذا الاستواء يعلمه علماء الأمة ويعلمون أنه يعني الانفراد المطلق وإذعان جميع جزيئات الكون –التي يعبر عنها الله تعالى بـ "العرش"- لملك الله تعالى وتصريفه وأمره.

وقوله "وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم" فصحيح أيضاً لأن إدراك هذا المعنى قد جاء عن طريق تأويل النصوص، لأن ظاهر معنى الاستواء "الجلوس أو الاستقرار" لا يليق بجلال الله تعالى عقلاً ونقلاً، فالله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى: 11، فلهذا توجب على علماء الأمة المصير إلى تأويل ظاهر معنى الاستواء إلى معناه المجازي، وهو الاستيلاء والانفراد بالأمر والتصريف. فإن أثبت ابن تيمية الاستواء لله تعالى على معناه الظاهر وهو الجلوس والاستقرار فقد أقرّ بالتشبيه والتجسيم، وإن قال بأن الاستواء هو شيء آخر غير الجلوس والاستقرار مع رفضه للتأويل، فقد أقرّ بأنه لا يعلم معنى الآية أصلاً وأنه لا يثبت لله شيئاً!.

وقول ابن تيمية: "وأما كيفية ذلك الاستواء فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله" فصحيح إن كان يقر بأن الاستواء يعني كما أولناه سابقاً بالاستيلاء، لأننا لا نعرف كيفية هذا الاستيلاء وكيفية تصريف الله تعالى لذرات الكون، أما إذا رفض ابن تيمية التأويل وقال بأن الاستواء هو على ظاهره بمعنى الجلوس والإستقرار، فتستره بنفي كيفية هذا الجلوس لا ينجيه من الوقوع في التجسيم، لأنه أثبت العلّو الحسي وهو المعروف عند البشر والمخلوقات.

ومن بين المدافعين عن بلكفة أهل الحديث ابن قيم الجوزية الذي يقول: "ومراد السلف بقولهم بلا كيف، هو نفي للتأويل، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم

١٨٦ / ٢٦٦