قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة، فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب عن صفته التي أثبتها لنفسه" (1).
وابن القيم في كلامه هذا يقرّ صراحةً سبب ابتداع أهل الحديث للبلكفة ألا وهو إنكار التأويل. أما محاذير ابن القيم فلا حقيقة لها في الواقع، لأن تأويل الألفاظ المتشابهة وردها إلى السائغ من كلام العرب يعتبر إثباتاً لحقيقتها وليس نفياً لتلك الحقيقة كما ادعى ابن القيم، أما إثبات ظواهر تلك الألفاظ الموهمة للتشبيه كما يفعل أهل الحديث فهو التعطيل لمعانيها الأصلية.
وإثباتنا للمعاني المجازية السائغة حسب قواعد اللغة ليس إثباتاً لكيفية صفات الله بل هو إثبات لحقيقة الصفة كما يليق بجلال الله تعالى دون خوض بعد ذلك في كيفية تلك الصفة، فنحن نثبت لله تعالى اليد بمعنى القدرة والقوة، والاستواء بمعنى الاستيلاء، بينما لا نستطيع أن نخوض في كيفية قدرة الله تعالى وكيفية استيلائه، لكن أهل الحديث يثبتون اليد بمعناها الظاهري المتعارف عليه عند البشر "الجارحة"، ويثبتون الاستواء بمعنى الجلوس والاستلقاء!. يقول الشيخ صالح بن عمرات:
وكل ما صورته ببالك … فالله جلَّ بخلاف ذلك
فعلم كنه ذاته محال … ممَّن سواه ولذاك قالوا
"العجز عن إدراكه إدراك … والخوض في إدراكه إشراك" (2)
واثبات الألفاظ التي جاء فيها ذكر الصفات على ظاهرها يؤدي لا محالة إلى التجسيم سواء أقال أهل الحديث بالبلكفة أم لم يقولوا.
أما القول بأن تأويل الألفاظ الموهمة للتجسيم مثل (اليد، العين، الوجه، الساق، الجنب) هو تعطيل لمعانيها فليس بشيء، فقد ثبت في لغة العرب أن هذه الألفاظ يراد بها معاني أخرى كالقوة، والحفظ، والذات، واشتداد الأمر على المجاز، فلهذا يصار إلى هذه المعاني المجازية لدفع التضارب والتضاد في النصوص. فمن كلام العرب في اليد قولهم:
(1) ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص184 - 185.
(2) نقله محمد ناصر في "الأصول العقدية للناشئة المحمدية".