قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٨وغداة ريح قد كشفت وقرة … إذا أصبحت بيد الشمال زمامها
ومن كلام العرب في الجنب وأنه يأتي بمعنى الأمر، قول الشاعر:
فما ضنه في جنبك اليوم متهم … أذن بها إلا اطلعت احتمالها
وما جاء في معنى الساق وهو شدة الأمر قولهم:
قد كشفت عن ساقها فشدوا … وجدت الحرب بكم فجدوا
ومن كلام العرب في الوجه، وأنه يأتي بمعنى الذات، قولهم:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة … فأفلت منها وجهه عتدُ نهد
وقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات … إلى الرحمن يأتي بالفلاح
فالادعاء أن البلكفة يقصد بها تنزيه الله عن الجوارح ومشابهة البشر لا أساس له، بل الواقع بخلاف ذلك فأهل الحديث يشنعون على من ينفي الجوارح عن ذات الله، حيث يقول عثمان الدارمي: "واجده الذي يوحدّه إله مخدّج منقوص، مشوه كشبح مقصوص … ويلك، إنما الموحّد الصادق في توحيده الذي يوحّد الله بكماله وبجميع صفاته، في علمه وكلامه وقبضه وبسطه وهبوطه وارتفاعه … هذا إلى التوحيد أقرب من هذا الذي يوحّد إلهاً مخدجاً منقوصاً مقصوصاً، لو كان عبداً على هذه الصفة لم يكن يساوي تمرتين، فكيف يكون مثله إلهاً للعالمين" (1).
فالدارمي يرى أن من ينزّه الله عن الجوارح كعابد شبح، بينما من يثبت لله تعالى الجوارح والحركات فهو الموحّد الحق!، ونسي أن المخلوقات تختلف فيما بينها فمنها ما له أجنحة، ومنها ما له قرن، ومنها ما له مخالب وأنياب، ومنها ما له خرطوم، فيفترض بالدارمي أن يثبت جميع هذه الأعضاء "الأجنحة، والقرون، والمخالب والأنياب، والخراطيم" لله تعالى حتى لا يكون منقوصاً حسب منهجه!، إلا إن كان قد رسخ في ذهنه أن خالقه يشبه البشر فقط!.
(1) عثمان الدارمي "نقض عثمان بن سعيد على المريسي" ص320.