قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

وماذا لو قيل للدارمي: اخبرنا عن العينين منه، هل يسمعان؟ واخبرونا عن الأذنين منه هل يبصران؟ واخبرنا عما سوى ذلك من جسد أليس لا يبصربه، ولا يسمع به، أليس منه ما لا يبصر به، ولا يسمع ولا ينطق به، ولا يعقل؟ فهل تعدّ ما لا يسمع، ولا ينطق، ولا يعقل إله؟ فقد عاب الله قوماً عبدوا ما لا يسمع، ولا يبصر حين قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ مريم: 41 - 42. واخبرنا عن العينين هل يبصران نفسهما، فإن قلت أنهما يبصران نفسهما فقد وصفت الله بما لا تعقل، وإن قلت لا يبصران نفسهما فقد أقررت بعجزهما (1).

يقول الفخر الرازي في رده على ابن خزيمة: "واعلم بأن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه ب (التوحيد)، وهو في الحقيقة (كتاب الشرك)، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلا مضطرباً في الكلام قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: (نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ونقول أن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب).

ثم قال: (ولا شك أنه اعتقاد الجهمية، لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب وشافه بالسوء، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وخلقه) … وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب (أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا

(1) محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج2ص332.

١٨٩ / ٢٦٦