قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩

سلك هؤلاء طريقة سهلة لبث فكرهم المنحرف بين المسلمين وذلك عن طريق الاندساس في وسط المجتمع المسلم والتظاهر بصورة الإسلام، والقرآن الكريم يسجل لنا بدايات هذه المرحلة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ آل عمران72.

وهذه الحقيقة التاريخية التي يسجلها القرآن الكريم يؤكدها ما روي أن عبد الله بن مسعود مر بشيخ يحدث عن التوراة، فلما رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبم يحدثكم صاحبكم، فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس (1).

وقد أحيطت العملية برمتها بسياج العصمة عن طريق اختلاق الروايات وتعليبها، ونسبتها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) والتي تدعو المسلمين إلى المطالعة والبحث في كتب تلك الملل. ومن تلك الروايات ما جاء من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص منسوباً إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (2). ورواية أخرى من طريق أبي هريرة منسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) وفيها "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" (3).

وهذا الموقف الغامض المتأرجح بين عدم التصديق وعدم التكذيب يخالف أمر الله تعالى بتكذيبهم حين قال: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران78. ولا يعقل أن يدعونا الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى التحديث عنهم بعد أن أخبرنا

(1) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب البصري رقم (879).

(2) البخاري3461.

(3) البخاري7362.

١٩ / ٢٦٦