قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢ولا نرى فرقاً بين الفرقتين، فيبنما حزم الفريق الأول أمره وصرح بإلغاء شرائع الإسلام، وجعل الدين سلماً للفجور ومطية للرذيلة، ورأى أن التارك للصلاة المانع للزكاة المفطر في رمضان المضيّع للحج السارق الزاني المرابي العاصي الفاسق الفاجر سيدخل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء دون عقاب أو عذاب، أضاف الفريق الثاني شرطاً فضفاضاً على نفس كلام الفريق الأول، وقال: إن العاصي الفاسق الفاجر سيدخل الجنة إما مباشرة دون عقاب كما قال الفريق الأول، أو أنه سيدخل النار أياماً معدودات ليتطهر من ذنبه كما قالت بنو اسرائيل، وهذان الإحتمالين "دخول العاص للجنة مباشرة، أو دخوله إياها بعد قليل من العذاب" راجعان إلى مشيئة الله الذي هو بهذا الاعتبار متردد متحير لم يحسم أمره ليقرر أي الاحتمالين سيختار!.
وبعد استقرائنا لمنهج أهل الحديث في التعامل مع عقائدهم فإننا لا نشك أن أسلوب تنظيرهم لعقيدة الإرجاء سيتماشى مع ذلك المنهج القائم على الإطلاق والجزم والاستدلال بمتشابه القرآن وتلفيق الروايات، فابن القيم مثلاً يقول: "وقد دلّ السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين، وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين" (1).
وإذا تجاوزنا هذا الخطاب الدعائي الذي رأينا تهاوي مثله أمام الفحص العلمي المتجرد، وحاولنا قراءة هذه العقيدة ما لها وما عليها وفق القواعد الكلّية المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب والسنة التي بيناها سابقاً، فإننا سنجد أن دعاوى الإرجاء الفارغة تتعارض تعارضاً هائلاً مع تلك القواعد المحكمة.
فقد استدل أهل الحديث لتأسيس عقيدة الإرجاء بآيات متشابهات كقوله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر53.
(1) ابن القيم "حادي الأرواح" ص175.