قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

وتحريفهم ووضعهم، لاسيما وأنهم كانوا يفسرون القرآن على حسب النظريات القائمة بأذهانهم والمقتبسة من الفكر التجسيمي المناقض للقواعد المثبتة في نفس القرآن الكريم" (1).

ومما يؤكد افتراض حسن السقاف أن هذه الرواية وهذه الأفكار من تسريبات أهل الكتاب هو ما ثبت بالنص القاطع في القرآن الكريم أن فكرة خروج أهل المعاصي من النار هي فكرة إسرائيلية، يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ آل عمران24. وقال تعالى محذراً المسلمين من الوقوع في مهاوي هذه الفكرة الإسرائيلية ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ النساء123.

واستدل أهل الحديث برواية نسجتها مخيلة أحد المرجئة من طريق أنس بن مالك وأنه قال: "أن النبي (صلى الله عليه و سلم) ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا. قال: إذا يتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً" (2).

"وهذا الحديث ينقض آخره أوله، ودلائل وضعه: معارضته لنصوص الكتاب العزيز، وفيه كتم للعلم والشرع في قضية خطيرة جداً مع قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ البقرة: 159، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ المائدة: 67. ومخالفة معاذ أمر رسول

(1) حسن بن علي السقاف في مقدمته على كتاب "العلو" للذهبي بتحقيق حسن السقاف ص44.

(2) البخاري 128، ومسلم [148] 53 - (32).

٢١٢ / ٢٦٦