قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

وحين عجز أهل الحديث عن إثبات دعوى النصية والقطعية لفكر الإرجاء، لجأوا إلى التحايل على النص الأصلي الذي يقطع بخلود أهل الكبائر في النار، وافترضوا أنه منسوخ!. علماً بأن الأخبار لا يدخلها النسخ، "فالخبر إما صحيح أو مكذوب ولا يقال إنه منسوخ" (1)!.

يقول ابن القيم: "والله تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أن إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به" (2).

وهذا اعتراف من أرباب هذه المدرسة أن نصوص الوعيد ثابتة بحيث لا يمكن إنكارها، فلهذا لجأوا إلى اختلاق فكرة تنازل الله تعالى عن قراره يوم القيامة وتركه لتهديده ووعيده، لأنهم تصوروا أن ذلك الأجمل في صفات الله!، وهذا التصور الفاسد نابع من طبيعة البداوة التي ترعرع فيها هذا الفكر، حيث نشأ هؤلاء في البادية حيث شيخ القبيلة يعفو عن المجرم قبل تطبيق الحدّ عليه فتعطلت الحدود وانتشر الهرج والمرج، ويعد ذلك في عُرف هؤلاء قمة الكرم، بينما هو في الإسلام حضيض المحسوبية والطبقية، فقد جاء النهي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) واضحاً عن هذا الفعل الذميم فقال: "إنّما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمَّدٍ سرقت لقطعت يدها" (3).

كما أن خيال البداوة العريض الذي صور هوان وعيد الله تعالى في عقول هؤلاء منشأه الشوائب الفكرية المستوردة من الأمم الأخرى التي تصور الإله ككيان له عواطف وأحاسيس، والإسلام النقي قائم على نصوص قطعية ثابتة موافقة للعقل والحس السليم تقول بأن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى11.

(1) تفسير الطبري ج30ص12، والشاطبي "الموافقات" ج3ص85.

(2) ابن القيم الجوزية "حادي الأرواح " ص271.

(3) البخاري 3288، ومسلم 1688، والترمذي 1455، وأبو داود 4373.

٢١٧ / ٢٦٦