قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

والشفاعة التي يحتج بها أهل الحديث لرد النصوص القطعية، قد بين الله تعالى في كتابه العزيز في حق من تكون حين قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ الأنبياء: 21، وهل يرتضي الله تعالى المجرمين الفاسقين الذين حاربوه بالمعاصي، واستكبروا عليه ولم يخضعوا لجبروته ورفضوا التوبة إلى جلاله؟!.

فالشفاعة تكون للمرتضين، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ مريم: 87، وهم المؤمنون المتقون لتخفيف شدة الحساب عنهم، وتسريع دخولهم الجنة، ولرفع منازلهم فيها.

"أما الشفاعة بمعنى هدم الناموس وإخراج المذنبين من النار، وإدخالهم الجنة، فهي فوضى الوسايط التي نعرفها في الدنيا، ولا وجود لها في الآخرة، وكل ما جاء بهذا المعنى في الأحاديث النبوية فهو مشكوك في سنده لأنه يخالف صريح القرآن، ولا يعقل من نبي القرآن أن يطالب بهدم القرآن، ولكن المسلمين الذين عرفوا بالاتكالية قد باتوا يفعلون كل منكر ويرتكبون عظائم الذنوب اتكالاً على نبيهم الذي سوف يخرجهم في حفنة واحدة من النار ويلقي بهم في الجنة بفضله وكرمه!، وهم الذين شكاهم إلى ربه في صريح قرآنه وجأر بشكواه قائلاً: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ الفرقان: 30" (1).

يقول الشيخ محمد الغزالي:"والجانب الإنساني الحر ظاهر في القرآن الكريم، فأنت وحدك صانع مستقبلك، ومصور ملامحك، إن احسنت لم يستطع أحد أن يعترض طريقك إلى الجنة، وإن أسأت لم يستطع أحد ان ينقذك من النار: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فصلت: 46، فلا وسطاء ولا شفعاء، ولا قرابين على نحو ما تصوّر الوثنية، أو على نحو ما تصوّر الأديان السماوية التي انحرفت" (2).

(1) مصطفى محمود "الشفاعة" ص19 - 20

(2) محمد الغزالي "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ص28.

٢١٩ / ٢٦٦