قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

ومن الشبه التي تعلق بها أهل الحديث قولهم أنه من الظلم أن يخلد رجل مؤمن في النار وكل معصيته أنه زنى مرة واحدة أو كذب كذبة واحدة أو أنه كان ممن يستمع الأغاني الماجنة!.

واستدلالهم هذا لا يصمد أمام حجج القرآن الكريم، فالإنسان المؤمن إيماناً حقاً يصعب تصور ملابسته للمعاصي، لإن الإيمان والعلم بالشريعة يتملكان كيان المسلم فيحجزانه عن كل معصية، يقول تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ العنكبوت: 45، فإن حدث ووقع مثل هذا الإنسان في كبيرة من الكبائر فباب التوبة مفتوح لا يغلق إلا عند الموت، فما الذي يمنع هذا الإنسان من التوبة إن كان مؤمناً حقاً؟.

شبهة أخرى أثارها أهل الحديث ليتملصوا من إلزام حجج القرآن الكريم، فقالوا: أن القول بخلود المسلم العاصي يعني مساوة المسلم بالكافر في الخلود وهذا ظلم!.

ونسي هؤلاء أن النار دركات كما أن الجنة درجات، يقول تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف: 38، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ النساء: 145.

وليس الظلم في خلود أصحاب الكبائر الذين تكبروا على جلال الله، ولم يرضوا بالتوبة إلى جنابه بل هذا هو عين العدل الإلهي، فهل يعقل أن يتساوى المؤمن الذي أتعب ليله ونهاره بإرضاء الله مع المجرم الذي ما انفك يحارب الله تعالى ويرفض التوبة إلى جلاله؟

وهل هذا المجرم الذي عرف الله تعالى وعرف شرعه لكنه حاربه بالمعاصي والفواحش، ورفض التوبة إلى جلال الله أفضل من النصراني الزاهد العابد الحسن الخلق الذي

٢٢٠ / ٢٦٦