قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣ديانتنا" (1). بولس الذي امتزجت في لبّه وثنيات الفراعنة التي نقلها اليهود مع ميثولوجيات الأغريق أراد تطبيق أحلامه الوثنية على أتباع المسيح الذين يبغضهم بغضاً شديداً، وزعم بولوس أنه بينما كان متجهاً إلى دمشق لإلقاء القبض على بعض أتباع المسيح سمع صوتاً يقول له: "شاول. شاول. لماذا تضطهدني؟ فسأل: من أنت؟ فجاءه الجواب: أنا يسوع الذي تضطهده" (2)، وأنه قال له: "فقد ظهرت لك لأعيّنك خادماً لي، وشاهداً بهذه الرؤيا التي ترانا فيها الآن، وبالرؤى التي ستراني فيها بعد اليوم، وٍسأنقذك من عبك ومن الأمم التي أرسلها إليك الآن" (3)، ومن هذا النقطة بدأ بولس في تشويه الدين النصراني، وأول شيء فعله هو الادعاء بأن عيسى هو ابن الله، وأن روحه هي تجلي للإله في جسد بشر لتخليص البشرية من أخطاءها، وقام بإلغاء الشريعة وقال: "إن المسيح حررنا بالفداء من لعنة الشريعة. إذ صار لعنة عوضاً عنا. لأنه قد كتب: ملعون كل من علق على خشبة" (4).
لقد كانت الطبيعة الوثنية المتمكنة من شغاف قلوب بني إسرائيل كفيلة بتسهيل الأمر بالنسبة لبولس لبث فكرته "الفرعوإغريقية"، كما أن اختفاء المسيح المفاجيء بالنسبة للبسطاء من أتباعه دفعهم للاعتقاد بأنه رجع إلى السماء حيث يوجد أبيه "الإله الأب"، وأعيد كتابة الأناجيل بعد زمن وفق رؤية بولس القائلة بعروج عيسى في السماء، ومن تلك النصوص: "وأخرجهم خارجا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلي السماء، فسجدوا له ورجعوا إلي أورشليم بفرح عظيم، وكانوا كل حين في الهيكل يسبّحون ويباركون الله" (5). نص آخر اختلقته مخيلة بولوس وأتباعه: "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض، ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم،
(1) أعمال الرسل 26/ 5 - 7.
(2) أعمال الرسل 9/ 3 - 7.
(3) أعمال الرسل 26/ 15 - 17.
(4) غلاطية 3/ 13.
(5) لوقا 24: 51 - 53.