قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض، وقالا: أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء" (1).
وقد تسربت عقيدة بولس "الفرعوإغريقية" إلى المسلمين عن طريق كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب، فقد جاء في كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد (ت 229هـ) ثلاثة أبواب في نزول عيسى (عليه السلام) وسيرته ومدة بقائه وقتاله الدجال، وأورد ابن حماد في هذه الفصول تسع وأربعين رواية، إحدى عشرة منها جاءت من طريق كعب الأحبار!، ورواية واحدة من طريق عبد الله بن سلام!، ورواية أخرى من طريق نوف البكالي!، وتسع روايات من طريق أبي هريرة!، وروايتان من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص!، وهما ممن تتلمذ على يدي مسلمة أهل الكتاب كما أسلفنا في المقدمة، وهذا يؤكد نظرية تسرب هذه الفكرة إلى المجتمع الإسلامي من أسفار أهل الكتاب، ثم تلقفها بعض الصحابة الذين انبهروا بغرائب بني إسرائيل، ورفعها الرواة خطأً إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم). يقول بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (2).
ونتيجة لاستغلال كعب الأحبار وكتيبته للآيات المتشابهات والعبث بتأويلها عن طريق التفسير الهرمسي، وتحميلها ما لا تحتمل من معان انخدع الكثير من المسلمين بهذه الفكرة، ولأن هذه الفكرة توافق عقيدة العلّو الحسي التي ينتحلها أهل الحديث قام هؤلاء بتعليب الكثير من الروايات لترسيخ هذه الفكرة.
(1) أعمال الرسل 1: 8 - 11.
(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606. وقد أسهبنا في توضيح كيفية تغلغل الإسرائيليات من خلال بعض الصحابة المنبهرين بأخبار أهل الكتاب في المقدمة والفصل الأول من هذا الكتاب.