قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥لقد أكدّ الله تعالى على بطلان عقيدة بولس "الفرعوإغريقية"، وأكدّ على حقيقة وفاة المسيح (عليه السلام) بقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ آل عمران: 55. وفيها أيضاً يؤكد على أن من آمن بالمسيح (عليه السلام) سيكون لهم الغلبة على اليهود إلى يوم القيامة، وهذا ما حدث مع اعتماد قسطنطين الديانة النصرانية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، ومن ثم مجيء الإسلام الذي رسخ عقيدة التوحيد التي جاء بها عيسى (عليه السلام) والأنبياء من قبله، وإلى وقتنا الحاضر يعيش اليهود في جماعات مشتتة في أصقاع العالم، ويأكد الله تعالى لنا حقيقة وفاة المسيح عن طريق إيراد إقرار المسيح (عليه السلام) بموته، وعدم معرفته ما الذي حدث بعد وفاته قائلاً: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المائدة: 117.
وتعلق أهل الحديث بشبهة واهية لتفسير معنى الوفاة، فقالوا: إن المقصود بها هو النوم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأنعام: 60، وهم بذلك يغالطون أنفسهم، لأن الله تعالى يخبرنا في هذه الآية أنه هو من يتوفانا "يميتنا" بالليل، لأن الغالب على حالات الوفاة الطبيعة أنها تحدث بالليل بسبب السكون والراحة التي تقلل من الشحنات العصبية القادمة من الدماغ مما يؤدي إلى توقف عضلة القلب والرئة عن الحركة، وهذا معلوم من مشاهدات الناس لأكثر حالات الوفاة والتي تحصل غالباً في الليل، ويؤكد الله تعالى على هذا المعنى الواضح الصريح بقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ