قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨السفن من مقدور البشر ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ القمر: 13، والمعجزة هي ما يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله.
كما أن عصر المعجزات الحسية قد انتهى بنزول القرآن الكريم الذي حوّل المعجزة إلى سنة كونية وقانون إلهي لا يمكن اختراقه إلا باستخدام الأسباب، والدليل على ذلك أن المشركين حين طالبوا النبي (صلى الله عليه و سلم) بإنزال الآيات قال لهم ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ العنكبوت: 50 - 51، والرسول (صلى الله عليه و سلم) وعى هذه الحقيقة فأخذ بأسباب النصر في بدر، وحين تخلى المسلمون عن تلك الأسباب في معركة أحد عاقبهم الله تعالى بإنزال الهزيمة عليهم، ليربيهم على الأخذ بالأسباب.
ولا يظنن المسلم أن نزول الملائكة ببدر كان معجزة لا تحصل لغير أهل بدر، وذلك أن دور الملائكة في بدر كان تثبيت المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، يقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الأنفال: 12. فتثبيت قلوب المؤمنين هي مهمة الملائكة، وضرب أعناق الكافرين هي مهمة المجاهدين، ولو كان الملائكة يحاربون بالسيوف كما يُزعَم، لما كانت لأهل بدر مزيّة، فكيف لاينتصرون على ألف مقاتل كافر وهم معهم خمسة آلاف مقاتل من الملائكة مدججين بالسيوف!، وكأن الملائكة يعيشون عصراً بدائياً لا يعرفون فيه المدافع والرشاشات والقنابل الذرية!، يقول تعالى مؤكداً على حقيقة مهمة الملائكة في معركة بدر وأنها لطمئة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ آل عمران:126.