قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥

استغلال الظروف الموضوعية السياسية والفكرية لتثبيت مناهجهم وترسيخ أفكارهم، واعتبروا أنفسهم الممثل الوحيد للسنة النبوية وأن مخالفيهم أهل بدعة وضلال!.

ولتأكيد قدسية فكر أهل الحديث بين عوام الامة صوّر هؤلاء لأتباعهم أن السنة أفضل من القرآن الكريم، لأن القرآن في نظرهم محتاج للسنة، والسنة مستقلة غير محتاجة للقرآن الكريم، فقد قال البربهاري: "إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن" (1). مع أن هذه الدعوى ينقضها العقل والنقل فحجية السنة كما قال الإمام الشاطبي تأتي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم (2)، فالكتاب مقطوع بثبوته إجمالاً وتفصيلاً لوصوله إلينا بالتواتر، ولم تختلف الأمة بجميع طوائفها عليه، بينما السنة مقطوع بثبوتها إجمالاً، ولكنها مظنونة الثبوت تفصيلاً لأن معظم الروايات أحادية، والآحاد ظني الثبوت. (3) كما أن حجية السنة تنبع أساساً من أمر الله لرسوله (صلى الله عليه و سلم) بتبيين أحكام القرآن للناس ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 44، ولا يمكن أن يكون الشرح أفضل من المشروح، لأنه لو عُدم الشرح لم يتأثر المشروح بينما لو عُدم المشروح لم يكن للشرح فائدة (4).

إذا السنّة في جوهرها هي شرح لمجمل القرآن، بمعنى آخر هي الجزئيات العملية للأحكام المجملة في كتاب الله العزيز والتي أُمرَ الرسول (صلى الله عليه و سلم) بتوضيحها للأمه، وهذه السنّة العملية اتفقت الأمة على الكثير منها، وهو ما تناقلته بالتواتر كعدد ركعات الصلاة، وقيمة الزكاة، وشعائر الحج كالوقوف في عرفة، ثم المبيت في مزدلفة، ورمي الجمرات، والرجم والاختتان وغيرها. أما أطنان الروايات الآحادية التي يفرضها علينا أهل الحديث على أنها السنة المقصودة بالحجية والاتّباع، فلا يمكن قبولها إلا وفق نظام صارم من التحقيق والتدقيق، ينبع من الرغبة في تنزيه الشريعة من الدخيل عليها.

(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص89.

(2) الشاطبي "الموافقات" القسم الرابع ص5.

(3) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص18.

(4) الشاطبي "الموافقات" القسم الرابع ص6.

٢٥ / ٢٦٦