قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} النجم: 3 - 18.

وهذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وإنما تذكر المرّتين اللتين رأى فيهما النبي (صلى الله عليه و سلم) جبريل بصورته الحقيقية، وقد ثبت عن السيدة عائشة أنها قالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه ساداً ما بين الأفق" (1)، وحين سألها مسروق عن قوله تعالى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قالت: "ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتى هذه المرة في صورته التي هيَ فسدّ الأفق" (2).

وبذلك نعلم أن قوله تعالى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ يدل على أن بداية الوحي كانت في رؤية النبي (صلى الله عليه و سلم) للوحي معترضاً الأفق، تلك الرؤية وذلك الوحي كان رهيباً على قلب النبي (صلى الله عليه و سلم) الذي فرّ إلى أهله ليزملّوه ويدثّروه من قشعريرة الخوف، وهذا بخلاف ادعاء المؤرخين الذين قالوا إن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يتعبدّ قبل الوحي في غار حراء!، هذا الادعاء من قبل المؤرخين فتح الباب على مصراعيه لأعداء الدين للطعن في رسالة النبي (صلى الله عليه و سلم) وقولهم إنها كانت إرهاصات نفسية ناتجة من طول التعبد والتنحنث كما هو الحال عند أئمة الصوفية.

ونحن لو رجعنا إلى سيرة الأنبياء السابقين لوجدنا أن بعثتهم تكون فجائيةً وبدون ترتيب سابق، فمثلاً موسى (عليه السلام) جاءت قصة مبعثه مفاجئة له، يقول تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ

(1) البخاري 3234.

(2) البخاري 3235.

٢٤٤ / ٢٦٦