قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وهذه النتجية نفسها يلخصها عبد الله بن محمد بن بركة (ت 362هـ) بقوله: "والسنة على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسنة مختلف فيها، ولم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها. فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب" (1).

عودة إلى القائمة

موقف الرسول (صلى الله عليه و سلم) والصحابة من الروايات الآحادية:

لو كانت كل تلك الأطنان من الروايات الآحادية التي كدّسها لنا أهل الحديث تمثل جوهر الإسلام –كما هوالحال مع القرآن الكريم والسنة العملية- لجعل لها رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كتّاباً يدونونها، ووضع لها طريقة مناسبة للجمع كما هو الحال مع عملية تدوين القرآن الكريم وجمعه، ولو كانت كل تلك الروايات الآحادية من بين الأشياء التي يجب عليه تبليغها لاجتهد (صلى الله عليه و سلم) في حفظها، ولحدّد لها المنهج المناسب في عملية النقل والتبليغ حتى لا يسمح للروايات الموضوعة والضعيفة بالولوج إليها، وهذه الضوابط التي يفترض بالرسول (صلى الله عليه و سلم) أن يفعلها ناتجة من أمر الله تعالى له بتبليغ الأمة أولها وآخرها بالأحكام التفصيلية للدين الإسلامي، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ المائدة67.

بيد أن الحقيقة التاريخية تؤكد عكس ذلك تماماً، فقد استفاضت الأخبار عن منع الرسول (صلى الله عليه و سلم) من كتابة بعض الروايات (2)، وجاء عنه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" (3)، وجاء عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "جهدنا بالنبي

(1) عبد الله بن محمد بن بركة "الجامع" ج1ص280.

(2) نقل شعيب الأرنؤوط في تعليقه على "سير أعلام النبلاء" للذهبي ج3ص81 قول ابن القيم في "تهذيب السنن" 5/ 245 ما نصه: " قد صح عن النبي (صلى الله عليه و سلم) النهي عن الكتابة"اهـ.

(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص33 من طريق أبي سعيد الخدري ورواه مسلم [7510] 72 - (3004)، وأحمد 1/ 171.

٢٦ / ٢٦٦