قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

ولأن راوي القصة الأسطورية جاهل في الجغرافيا، لم يعلم أن الفرات ينبع من تركيا وأن النيل ينبع من بحيرة نيانزا التي اسماها المستعمرون "فكتوريا" في أعماق أفريقيا!.

وقد جاء في بعض الروايات عند البخاري "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبَّار ربُّ العزَّة، فتدلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى" (1).

وهذه العبارة البشعة التي يقِفُّ منها شعر الإنسان، والتي تصف الله تعالى بصفات الحيوانات والجمادات التي تتدلى من أعلى إلى أسفل استنكرها بعض أهل الحديث أنفسهم، فقد قال الخطابي: ليس في هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- حديث أشنع ظاهراً ولا أشنع مذاقاً من هذا الفصل، فإنه يقتضي تحديد مسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل" (2).

والرواية بالإضافة إلى ما سبق تصف الملائكة بالجهل، فهم لم يكونوا يعلمون أن محمداً (صلى الله عليه و سلم) قد بعث إلى العالمين!، كما أنها تصفهم بجهل القادم إلى السماء بحيث تقوم بعملية تدقيق في الهويات!، فتسأل جبريل عن نفسه، وعمن معه!، ويتكرر المشهد الهزلي في كل سماء!، حتى يتصور المرء بأنه يقرأ عن رحلة سياحية عبر مطارات العالم الثالث!.

ومما يدلل على الأصول الإسرائيلية لهذة القصة ايحاءها بأن موسى (عليه السلام) أعلّم من الله تعالى بحال أمة محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأنه أحكم من النبي (صلى الله عليه و سلم) (3).

وقد ذكر الشيخ حسن السقاف أن هذه القصة منقوله حرفياً من كتب اليهود حيث قال: "وبالسؤال والتتبع وجدنا ان أصل هذه القصة موجود في كتب أهل الكتاب اليهود والنصارى، مما أكد لنا أن هذه القصة بهذا الشكل والتصوير الوارد في هذا الحديث المنسوب للنبي (صلى الله عليه و سلم) فيها ما هو منحول من كتب الأمم السابقة، وهم اليهود والنصارى. فهذه القصة

(1) البخاري 7517.

(2) ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" ج15ص455.

(3) يتسائل الشيخ أحمد بن سعود السيابي حفظه الله قائلاً: "ولماذا كان النبي موسى (عليه السلام) هو المرشد لمحمد (صلى الله عليه و سلم) دون إبراهيم (عليه السلام) مثلاً؟ " وهو تساؤل يشير إلى التأثير الإسرائيلي في صياغة قصة المعراج.

٢٥٠ / ٢٦٦