قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٧

(صلى الله عليه و سلم) أن يأذن لنا في الكتاب فأبى" (1) ، وعنه أيضاً أنه قال: "ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن" (2)، وقال أبو هريرة: "خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله!، أتدرون. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى" (3).

واستمر هذا الموقف المعارض من تدوين الروايات والأخبار إلى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رُويَ عن أبي بكر الصديق أنه جمع الناس فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أحاديث تختلفون فيها، والناس من بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه".أ (4) ما عمر بن الخطاب فقد جاء أنه طفق يستخير الله شهراً، ثم قال: "إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً" (5)، ثم كتب في الأمصار "من كان عنده شيء من الروايات فليمحه" (6)، وروى عنه أنه أحرق مجموعة من الروايات وقال: "مثناة كمثناة أهل الكتاب" (7). وكان من شدة احتياطه في منع كتابة الروايات الآحادية يخرج مع رسله إلى الآفاق ويسير معهم في الطريق ليقول لهم: "إنكم تاتون بلدة لأهلها دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأنا شريككم" (8). بل قد وصل به الاحتياط في منع الحديث إلى درجة حبس مجموعة من كبار الصحابة لإكثارهم من التحديث

(1) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص21 - 33.

(2) أبو داود 3648، وابن أبي شيبة في "المصنف" برقم 2991.

(3) الخطيب البغدادي نفس المصدر ص34.

(4) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص3.

(5) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص49.

(6) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج1ص206

(7) ابن سعد "الطبقات الكبرى" ج5ص140

(8) الخطيب البغداي "شرف أصحاب الحديث" ص87.

٢٧ / ٢٦٦