قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٨

فقد روي أنه بعث إلى عبد الله بن مسعود وإبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال لهم: "ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟ "، فحبسهم! بالمدينة حتى استشهد (1).

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه أحرق صحيفة بها بعض الأحاديث ثم قال: "اذكر الله رجلاً يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (2)، وأراد معاوية أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه" (3).

وتعلل أهل الحديث بأن هذا المنع منسوخ بما رووه من أن رجلاً من أهل اليمن قال: "اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): اكتبوا لأبي شاه. فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4).

بيد أن هذا الإحتجاج ينقضه سياق الرواية نفسها، فكما هو واضح من الرواية أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) إنما سمح للرجل بكتابة خطبة الوداع لأنها تمثل مجموعة من أحكام الشرع التفصيلية "السنة العملية"، وقد سمعها عشرات الآلاف من الصحابة، وكتبت في حضور الرسول (صلى الله عليه و سلم) وتحت إشرافه، وموضع الخطبة شائع، وحضره جمع غفير فيستحيل تحريف حرف منه، فهي بذلك تجري مجرى السنة المتواترة التي أطبقت عليها الأمة، ومنع الرسول (صلى الله عليه و سلم) كان للروايات الآحادية، ونفس هذا التحليل يجري على أحكام الصدقات والديات والفرائض التي كتبت في حديث عمر بن حزم، ولو كان هذا إذناً بكتابة الروايات الآحادية لما ثبت عن الصحابة منع كتابة مثل تلك الروايات، ولما استدل أبى سعيد الخدري بالمنع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و سلم)، ولما منع زيد بن ثابت معاوية من الكتابة.

(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص87.

(2) ابن عبد البر "جامع بيان العلم وفضله" ص92.

(3) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35، أبو داود3647.

(4) البخاري 2434.

٢٨ / ٢٦٦