قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٩

وقال أهل الحديث للإجابة عن منع النبي (صلى الله عليه و سلم) وصحابته للرواية بقولهم إن المنع كان ضرورياً في بداية الأمر لكي لا يختلط الحديث بالقرآن!، وهذا احتجاج واهٍ لأن العرب معروفون بالفصاحة وشدة الحفظ فلا يمكن أن يختلط عليهم القرآن بغيره، خاصة وأن القرآن معجز في ألفاظه وتركيبه، ولا يمكن أن يختلط به غيره (1).

والظاهر أن المنع من الرواية كان القصد منه عدم الخلط بين الجانب التشريعي للسنة الذي تواتر عملياً عند الأمة، وبين الجانب البشري أو التشريعي الغير الملزم كاجتهادت النبي (صلى الله عليه و سلم) في القضايا اليومية ذات الصبغة المحلية المأطرة في حدود الزمان والمكان، خاصة وأنها حوادث لم يشهدها إلا فرد أو أفراد قليلون من الصحابة وهم غير معصومين من الخطأ والنسيان والرواية بالمعنى مع اختلاف ملاكتهم العقلية، بالإضافة إلى أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أراد الإبقاء على دائرة الإلزام في أضيق الحدود، وأراد الإبقاء على دائرة الإباحة واسعة كما قررها منهج القرآن الكريم، بينما ستحمل الروايات الآحادية مضامين إلزامية مع مرور الزمن لاختلاطها بالتشريع الملزم.

الانفلات الروائي:

إن القراءة السابقة لعملية التدوين الأولى للروايات والموقف منها نستخلص منه أن عملية تدوين الروايات الآحادية لاقت سداً منيعاً من الرسول (صلى الله عليه و سلم) وصاحبيه أبي بكر وعمر، فماذا حدث بعد ذلك؟

في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ومع بداية تفجر الفتنة بين الصحابة وما تبعها من اغتيال الخليفة، حدث انفلات روائي رهيب أذكى جذوته انبهار الصحابة بما يرويه كعب الأخبار وغيره ممن طالع كتب أهل الكتاب، وكان للعوامل السياسية المتفجرة دورها في إذكاء نار الانفلات الروائي، فقد كانت هناك مراجعات كثيرة بين الخليفة ومنتقديه، واحتاج الأمر إلى التذكير بسيرة الرسول (صلى الله عليه و سلم) وسيرة الشيخين من بعده (2).

(1) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص244.

(2) لمراجعة قضية مناقشات عثمان والصحابة، راجع علي الحجري "الإباضية ومنهجية البحث" ص108 - 119.

٢٩ / ٢٦٦