قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠

بعكس عمر بن الخطاب الذي حظر على كعب الأحبار الرواية والتحديث، كان عثمان بن عفان يستمع لروايات كعب الأحبار ويستشيره في أمور الأمة، وقد أورد الذهبي في ترجمة أبي ذر الغفاري في "سير أعلام النبلاء" أكثر من رواية تؤكد على ثورة أبي ذر ضد آراء كعب الأحبار في مجلس الخليفة عثمان، ومنها أن أبا ذر دخل على عثمان وعنده كعب فأقبل عثمان على كعب، فقال: "يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه ويصل الرحم؟ قال كعب: إني لأرجو له. فغضب –أي أبو ذر- ورفع عليه العصا" (1).

ورُوي أن معاوية بن أبي سفيان اتهم كعباً بالكذب (2)، ولا يبعد أن يكون ذلك في عهد عثمان لأن كعب انتقل إلى الشام التي كان معاوية والياً عليها (3)، ولم يكن كعب ليحدّث بغرائبه في عهد عمر. وأبو هريرة نفسه يؤكد حقيقة بدأ الرواية في عهد ما بعد عمر بن الخطاب حيث يقول: "لو كنت أحدّث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته" (4)، ويقول أيضاً: "إني لأحدّث أحاديث لو كنت تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي" (5).

وبعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان فشا التحديث في جماعة معاوية إلى درجة أن علي بن أبي طالب اتهمهم بإفساد سنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال عنهم في صفين: "قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سودوا، وأي حديث من حديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أفسدوا" (6).

وحقيقة انتشار التحديث في حزب معاوية وشيعته يؤكدها ما ثبت عن معاوية أنه أراد أن يكتب حديثاً فنهاه زيد بن ثابت قائلاً: "إن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه" (7).

(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص67 - 68.

(2) البخاري 7361

(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص490

(4) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص7، مصنف عبد الرزاق برقم20496.

(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص601.

(6) الذهبي "تذكرة الحفاظ" ج1ص12

(7) الخطيب البغدادي "تقييد العلم" ص35.

٣٠ / ٢٦٦