قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢

العدد إلى حدّ كبير، لكنه روى عن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك (1)، وأصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما! (2).

أما أبو هريرة فقد كان يحدّث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة" (3)، وكان أبو هريرة يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4)، بينما نسبه آخرون إلى التدليس والخلط بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)!، فقد روي عن شعبة أنه قال: "أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما يسمعه من كعب وما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، ولا يميز هذا من هذا". (5)

ويفسر البعض متابعة أبي هريرة لكعب الأحبار بأنه كان منبهراً بما عند كعب من عجائب الأخبار، ونودار الأساطير التلمودية، ويؤكد أبو هريرة نفسه على هذا الإجتهاد في طلب العلم من كعب الأحبار حيث يقول: "خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ". (6)

بيد أن هذا الثنائي الروائي "كعب وأبي هريرة" كان محل متابعة ومراقبة من قبل كثير من الصحابة، حتى وصل الأمر بعمر بن الخطاب أن هددهما بالطرد من المدينة، فقد قال عمر

(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص81.

(2) ابن كثير في مقدمة تفسيره "تفسير القرآن العظيم" ج1 ص13

(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص600.

(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606.

(5) محمد بن محمد أبو شهبة "دفاع عن السنة" ص110.

(6) الربيع بن حبيب "المسند" 279، مالك243.

٣٢ / ٢٦٦