قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣

لأبي هريرة: "لتتركن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة".

(1) ومن المستحيل أن يروي أبو هريرة كل تلك الروايات عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) وحده، وذلك لأسباب بدهية أهمها: أنه أسلم متأخراً في عام خيبر في السنة السابعة للهجرة، أي أنه لم يعاصر الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلا أربعة سنوات فقط –وربما أقل لأنه ابتعث إلى البحرين-، بينما عاشره بقية المهاجرين ثلاث وعشرون عاماً، كما أنه دخل الإسلام وهو كبيرٌ السن، فقد كان يبلغ من العمر أكثر من ثلاثين عاماً، ومعلوم أن ملكة الحفظ في هذا السن تكون قد وهنت وضعفت مقارنة مع حفظ صغار السن كما هو الحال مع عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين.

لقد كان أبو هريرة في واقع الأمر لا يحدث عن الرسول (صلى الله عليه و سلم) فقط، بل كان يحدّث عن الصحابة ما سمعوه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقد روى روايات مسندة عن أحداث وقعت قبل دخوله الإسلام، حيث روى أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لعمّه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة" (2)، وأن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قال لقومه حين أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء: 214 "يا معشر قريش لا أغني عنكم من الله شيئاً" (3)، بدون ذكر الواسطة الذي أبلغه بتلك الأحداث، مما حدا بشعبة إلى اتهامه بالتدليس (4)، وقال شعبة: "حدّث أبو هريرة، فردّ عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام، حتى ارتجت الأبواب بينهما".

(5)

(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص579 - 632، قال شعيب الأرنؤوط محقق الكتاب معلقاً على رواية تهديد عمر بطرد كعب وأبا هريرة ما نصه: "وهذا إسناد صحيح"اهـ.

(2) مسلم [134] 41 - (25).

(3) مسلم [501] 348 - (204)، والبخاري 2753.

(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص608.

(5) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص603.

٣٣ / ٢٦٦