قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤

يقول السرخسي: "واشتهر عن بعض الصحابة ومن بعدهم بمعارضة روايته بالقياس، فابن عباس عندما سمعه يروي "توضئوا مما مسته النار" (1)، قال: "أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه؟ أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه؟ " … ولما سمعه يروي "من حمل جنازة فليتوضأ" (2)، "قال: "أيلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة؟ " … ولما سمعت عائشة أم المؤمنين أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر الثلاثة. قالت: "كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الأنعام: 164؟ … وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول الله (صلى الله عليه و سلم) حدث بأحاديث لو عدها عاد لأحصاها (3)!، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون" (4).

والعجيب أن تجد روايات مرفوعة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) من طريق أبي هريرة تصف الذي يحدث بكل ما يسمع أنه "كذّاب" حيث جاء فيها: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" (5)، ومع ذلك ترى روايات أبي هريرة من الغزارة والكثرة بحيث صارت كالسيل الهادر باعتراف أبي هريرة نفسه!، فقد قال مجيباً على تساؤل الصحابة حول كثرة روايته: "لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته" (6)، وقال مقراً باستغراب الناس من كثرة روايته: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن أخوتي من

(1) مسلم [788] 90 - (351).

(2) أحمد 2/ 454

(3) صحيح مسلم [7509] 71 - (2493).

(4) أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي "المحرر في أصول الفقه" ج1ص255، وقال السرخسي معلقاً: فلما كان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا: ما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وما خالف القياس فإن تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به، وإلا فالقياس الصحيح شرعاً مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه.

(5) صحيح مسلم 7 و8 و9، وجاء في مقدمة صحيح مسلم [10] عن مالك قوله: "اعلم أنه ليس يسلم رجل حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع".

(6) الذهبي "تذكرة الحفاظ" في ترجمة عمر بن الخطاب ج1ص7.

٣٤ / ٢٦٦