قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥

المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، واحفظ إذا نسوا … وقد قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في حديث يحدثه: "إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول" فبسطت نمرة عليّ حتى إذا قضى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت مقالة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) تلك من شيء" (1)، مما يوحي أن أبا هريرة لم يروي حديث ذم كثرة الرواية وإنما نُسب إليه، أو أنه كان لا يرى أن الرواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم) تدخل ضمن إطار المنع من التحديث بكل شيء، وأنه لم يدرك أبعاد نهي النبي (صلى الله عليه و سلم) والخلفاء من بعده للرواية.

ونحن لا نشك في صفاء عقيدة أبي هريرة ولا في نقاء سريرته، ولكن رواياته عن أهل الكتاب جرّت بلاءً على الأمة، كما أن الوضاعين اتخذوا أبا هريرة تكئة لتعليب الروايات ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فكثرة روايات أبي هريرة خاصة في الغرائب والعجائب التي نقلها عن كعب الأحبار، تسهّل على هؤلاء وضع الأحاديث على لسان أبي هريرة ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) لدمغها بخاتم العصمة والإلزام.

عملية التدوين الرسمية للروايات:

رأينا سابقاً أن عملية رواية الحديث قد بدأت مبكراً في عهد الخلفاء الراشدين، إلا أن أبا بكر وعمر استطاعا تضييق الخناق عليها، وكثرت بعد ذلك في عهد عثمان بن عفان، وازدادت زيادة مهولة في العصر الأموي، إلا أن تلك العملية كانت مبعثرة وغير منظمة، وبدأت عملية التدوين الرسمية في عهد الدولة العباسية، في عهد أبي جعفر المنصور العباسي

(1) البخاري2047، ومسلم [6397] 159 - (2492). وحديث ضم ثوب أبي هريرة بالروايات فلم ينس منها شيئاً هو حديث آحادي لا تثبت به معجزة، والواقع يخالفها، فكم من رواية ردها الصحابة لأن ابا هريرة لم يضبطها، وهذه الرواية من جنس الروايات العجيبة التي استنكرها الصحابة على أبي هريرة. وقد روى مسلم نفس هذه الرواية من طريق مالك بن أنس برقم [6398] وقال: "غير أن مالكاً انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة، ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي (صلى الله عليه و سلم): (من يبسط ثوبه) إلى آخره"!.

٣٥ / ٢٦٦