قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦

الذي أمر مالك بن أنس بتأليف كتابه "الموطأ" (1)، ثم ظهرت بعد ذلك كتب الحديث المدونة في كنف الدولة العباسية.

بيد أن الدولة الأموية كان لها قدم السبق في تسييس عملية الرواية وجعلها تتم في كنفها، فأول من قام بعملية جمع للروايات تحت عين السلطة الأموية هو الزهري الذي كان أحد علماء البلاط الأموي، حيث لزم عبد الملك بن مروان، ثم ولده الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد (2). وكانت علاقته بالسلطة الأموية محلّ نقد من بعض المحدّثين أنفسهم، فقد قال عنه مكحول: "أي رجل هو لولا أفسد نفسه بصحبة الملوك" (3). وقد كتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل منهم التابعي الكبير جابر بن زيد (4) ،وصحبته للملوك دفعته إلى عيش حياة الترف، ومحاولة إخفاء خيوط الشيب، فقد كان يخضب لحيته بالسواد حتى أن مالك بن أنس انخدع به وظنه شاباً (5). ومع كل ذلك فقد كان مدلساً لم يلتق بالكثير من الصحابة الذين روى عنهم!، حتى قال يحيى بن سعيد القطان: "مرسل الزهري شر من مرسل غيره" (6)، وكان الشافعي يقول: "إرسال الزهري ليس بشيء، لأنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم (7)، وقد بينّا في مقدمة الكتاب دور السلطة الأموية في تجنيد المحدثين لترسيخ أفكارها وعقائدها!.

بالإضافة إلى ذلك كان الأمويون يقومون بإرهاب العلماء الذين يعارضون السلطة الأموية، ويرفضون الفكر الأموي المستورد من الديانات المحرفة، حيث قاموا بجلد ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس، وكان ذلك بسبب وشاية المحدّث أبي الزناد الذي وصفه

(1) عبد الوهاب عبد اللطيف في مقدمته على كتاب "موطأ مالك" ص12.

(2) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج5ص331.

(3) الذهبي نفس المصدر ج5ص339.

(4) أبو يعقوب الورجلاني "الدليل والبرهان" ج1ص20.

(5) الذهبي نفس المصدر ج5ص344.

(6) الذهبي نفس المصدر ج5ص338.

(7) الذهبي نفس المصدر ج5ص339.

٣٦ / ٢٦٦