قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٠الرواية مع أهل الحديث:
ثم ورث هذا الإرث كله أهل الحديث الذين استأثروا به لأنفسهم وحرّموا على كل من خالفهم الولوج في بحره، فقد قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (1)، وقال عبد الله بن المبارك: "بيننا وبين القوم القوائم، يعني الإسناد" (2). لقد أراد أهل الحديث أن يكونوا هم الورثة الوحيدين لتركة بني أمية الروائية، فقعّدوا القواعد ورسخوا البنيان لمنع تسلل أي أحد من غير هذه المنظومة إلى فنائها، فلهذا فمن النادر أن تجد راوياً من خارج منظومة أهل الحديث إلا والجرح قد سبقه!.
فها هو أحمد بن حنبل إمام هذه المدرسة بلا منازع يحرّم على أتباعه الأخذ من أصحاب أبي حنيفة حيث يقول عنهم: "أصحاب أبي حنيفة ليس ينبغي أن يروى عنهم شيء" (3)، ولما أخذ أحد أتباعه كتب أبي حنيفة هجره أحمد، وكتب إليه "إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك" (4)، بل قد وصل بهم الأمر إلى درجة تكفيره!، حيث قال أحدهم "اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة" وقال آخر: "ما ولد في الإسلام مولد أشأم عليه من أبي حنيفة" وقال غيره: "أبو حنيفة هذا، والله إني لأرجو أن يدخله الله عز وجل نار جهنم" (5).
ومع أن محمداً بن إدريس الشافعي كان المنظر الأساسي والمبلور الرئيسي للنظرة الجرئية النصوصية التي قام عليها فقه أهل الحديث إلا أن اعتماد الشافعي على آليات عقلية كالقياس، نفّرت منه كثير من أهل الحديث، فقد تحاشا البخاري ومسلم الرواية عنه ، (6) ولم
(1) مقدمة صحيح مسلم [27]، والترمذي في "العلل" الملحق بكتاب "سنن الترمذي" ص1072.
(2) مقدمة صحيح مسلم [32].
(3) العقيلي "كتاب الضعفاء الكبير" ج1ص23 في ترجمة أسد بن عمرو البجلي: (حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن أسد بن عمرو، صدوق؟ قال: .. )
(4) محمد بن عبد الوهاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جمع عبد الرحمن بن محمد القحطاني ج1ص35
(5) عبد الله بن أحمد "كتاب السنة" ص148 - 223.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص5.