قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤١يرو عنه أبو داود إلا حديثاً واحداً (1)، وقال عنه ابن أبي حاتم: "كان الشافعي فقيهاً، ولم تكن له معرفة بالحديث" (2).
أما مالك بن أنس فمع انخراطه في سلك الرواية إلا أنه أصيب ببعض شرر أهل الحديث بسبب منهجه المتقدم في محاكمة الروايات الآحادية إلى السنة العملية الجارية عند أهل المدينة، وقد نقل أحمد بن حنبل أن ابن أبي ذئب كان يقول أن الإمام مالك يستحق القتل!، وقال: "كان يقول في مالك وفي تركه الحديث يرويه عن النبي (صلى الله عليه و سلم)، وذكر له "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" وترك مالك الأخذ به، حتى يبلغ به، يعني يقتل" (3). وأحمد بن حنبل نفسه يصف مالك بن أنس بالتخليط!، فقد قال ابن أبي يعلى: "وذكر له ابن الشافعي عن الحديث الذي يرويه مالك عن النبي w وخالفه، فقال: هذا تخليط" (4). يقول النووي مبيناً سبب الفجوة بين الإمام مالك وبين أهل الحديث: "وأما قول مالك فهو اصطلاح له وحده منفرد به عن العلماء فلا يقبل قوله في رد السنن، لترك فقهاء المدينة العلم بها وكيف يصح هذا المذهب؟ مع العلم بأن الفقهاء ورواة الأخبار لم يكونوا في عصره، ولا في العصر الذي قبله منحصرين في المدينة، ولا في الحجاز، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض مع كل واحد قطعة من الأخبار لا يشاركه فيها أحد، فنقلها ووجب على كل مسلم قبولها، ومع هذا فالمسألة متصورة في أصول الفقه غنية عن الإطالة فيها هنا، هذا كله لو سلم أن فقهاء المدينة متفقون على عدم خيار المجلس، ولكن ليس هم متفقين، فهذا ابن أبي ذئب أحد أئمة فقهاء المدينة في زمن مالك أنكر على مالك في هذه المسألة وأغلظ في القول بعبارات مشهورة، حتى قال: يستتاب مالك من ذلك" (5).
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج10ص5.
(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص261.
(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص292.
(4) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص292.
(5) النووي "المجموع" ج9ص177.