قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٢

أما الإباضية وهم من المعارضين السياسيين لحكم بني أمية، فقد كان لهم أهل الحديث من أشد الأعداء، ويكفي الروايات التي حشيت بها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حشرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يجوز قتلهم (1).

وقد نفر أهل الحديث من كل من شموا منه رائحة الفكر الإباضي حتى وصل بهم الأمر إلى ردّ روايات التابعي الكبير عكرمة مولى عبد الله بن عباس بسبب اتهامهم إياه بأنه يرى رأي الإباضية، علماً بأن عكرمة كان من أفضل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أما حال عكرمة في نفسه فقد عدّله أمة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا توجد منهم لكبير أحد من التابعين" (2). وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج، ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جده قال: وكان يرى رأي الإباضية … عن عطاء بن أبي رباح أن عكرمة كان إباضياً" (3).

مثال آخر من أمثلة تجنّب أهل الحديث الرواية عن الإباضية وغيرهم ممن وصفته السلطة الأموية بصفة الخوارج!، هو عمران بن حطّان السدوسي إمام الصفرية (4) قال عنه الذهبي: "لا يتابع على حديثه قاله العقيلي قال وكان خارجيا" (5)!، علماً بأن الذهبي نفسه قال عنه في نفس الموضع ما نصه: "فإن عمران صدوق في نفسه، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال

(1) البخاري "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم" انظر فتح الباري ج14ص286.

(2) ابن حجر العسقلاني "إرشاد الساري" ص597 - 602

(3) الذهبي "ميزان الإعتدال" ج3ص93 - 97. وقد خالف البخاري أهل الحديث، واحتج بعكرمة في أكثر من موضع، كما احتج به بعض أصحاب السنن.

(4) كان الصفرية يشتركون مع الإباضية في المعارضة السياسية والعسكرية مع السلطة الأموية إلا أنهم يصفون العاصي بالشرك "التكفير" بعكس الإباضية الذين يصفون العاصي بالفسق ولا يخرجونه من الملة. راجع محمد بن إبراهيم الكندي "بيان الشرع" ج3ص417.

(5) الذهبي في "ميزان الاعتدال" ج3ص235.

٤٢ / ٢٦٦