قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٦وصيته، وكان فيها: ولا يعطىمن ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق" (1). فهو إذا من علماء المعتزلة وفقهائهم، وكما هو معلوم أن المعتزلة يرون أن البهتان كبيرة تخلد صاحبها في النار، فمن المستبعد جداً أن يستحلّ الثلجي رواية هذا الكفر البواح والكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم).
واتهام أهل الحديث للثلجي ناتج من بغضهم للمعتزلة الذين وقفوا في صف المأمون في محنة خلق القرآن التي راح ضحيتها الكثير من أئمة الحديث كنعيم بن حماد وأحمد بن نصر الخزاعي كما سيأتي بيانه. وقد نقل الذهبي عن الثلجي قوله: "حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي: قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث –يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه من البحر، فألقاها إليه" (2). ومن الروايات المستنكرة التي رواها حماد بن سلمة، ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء" (3). وروى أيضاً أن عبد الله بن عباس قال: "أن محمداً رأى ربه، في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ، قدميه أو رجليه في خضرة" (4).
أهل الحديث يكفر بعضهم بعضاً:
مع إقرار أهل الحديث بأن البخاري ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبا خيثمة ومحمد بن سعد وابن أبي شيبة هم من كبار أئمة الحديث إلا أنهم انقلبوا عليهم، وطعنوا في دينهم، وتركوا الحديث عنهم بسبب موقفهم المخالف لعقيدة أهل الحديث.
فمحمد بن إسماعيل البخاري صاحب أصحّ كتب الحديث عند المحدثين (5): تركه أهل الحديث حين رفض الإقرار لهم بأن لفظ القرآن غير مخلوق!، وقعد وحيداً في منزله، فمرقوا عليه وقالوا له: "ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك" (6)، وقال فيه أحدهم: "ألا من
(1) ابن حجر العسقلاني "تهذيب التهذيب" ج9ص189.
(2) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(3) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(4) الذهبي "ميزان الاعتدال" ج1ص593.
(5) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص23.
(6) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج12ص454.