قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٠

اللغوي لوصف التدليس في الحديث (1). والتدليس في الحديث على ضربين: الأول أن يوهم المحدثُ أنه سمع الحديث من شخص معين وهو لم يسمعه منه، ومنه أيضاً أن يسمع من ثقة حديثاً في إسناده رجل ضعيف فيقوم بحذف الضعيف من الإسناد بحيث يظهر الإسناد مسلسلاً بالثقات، وهذا التدليس يعرف بالتسوية أي يسوي الثقات بطرح الضعفاء، وهو شرّ أنواع التدليس. والضرب الثاني: أن يسمع المحدث من شخص ضعيف فيغير من اسم الضعيف أو كنيته حتى لا يُعرَف أنه رواه عن ضعيف (2).

وللتدليس مفاسد كثيرة، أهمها أنه سبيل للكذب على رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وإفساد الدين، وذلك بالرواية عن الكذابين والوضاعين والمجرحين، وقد حكم أئمة الحديث على المدلسين بأشنع الأوصاف، يقول شعبة: "لأن أزني أحبُ أليّ من أن أدلس"، ويقول: "التدليس في الحديث أشد من الزنا، ولئن أسقط من السماء إلى الأرض، أحب إليّ من أن أدلس"، وقال: "التدليس أخو الكذب"، وقال حمّاد بن أسامة "خرب الله بيوت المدلسين، ما هم عندي إلا كذابون"، وقال حماد بن زيد: "التدليس كذب"، ثم ذكر حديث النبي (صلى الله عليه و سلم) للمتشبع بم لم يعط "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" قال حماد: "ولا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يعط" وقال عبد الله بن المبارك: "لأن نخرّ من السماء أحب إلي من أن أدلس حديثاً"، وقال وكيع: "نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث" (3). وقال الذهبي: "وهو –أي التدليس- داخل في قوله تعالى: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ آل عمران: 188، قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة" (4).

والذي يسمع هذا الكلام عن التدليس وأضراره وحكم فاعله يظن أن أئمة الحديث لم يتلبسوا بشيء منه، إلا أن الواقع بخلاف ذلك فإنك لا تجد واحداً منهم إلا وقد اتهم بالتدليس!. ومن أئمة الحديث وغيرهم ممن عرف بالتدليس:

(1) صالح بن سعيد عومار "التدليس" ص29.

(2) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص257وص265 بتصّرف.

(3) الخطيب البغدادي "الكفاية" ص255 - 257.

(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" 7/ 460، نقله عنه صالح بن سعيد عومار في "التدليس" ص107.

٥٠ / ٢٦٦