قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٤الوضع في الحديث:
لقد كان للأحداث السياسية التي مرت بها الدولة الإسلامية بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان وانقسام الأمة إلى شيعة علي وشيعة معاوية أثره البالغ في تفشي الوضع في الحديث للانتصار على الآخر.
كانت بداية الوضع في الحديث مبكرة جداً في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد قال: عبد الله بن الحارث أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (1) في حق عبد الله بن أبي جذعة، أتى ثقيفا بالطائف، فقال: هذه حلة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم شئت. فقالوا: هذه بيوتنا فتبوأ أيها شئت. فانتظر يخلو الليل، فقال: وأتبوأ أي نسائكم شئت. فقالوا: له إن عهدنا برسول الله (صلى الله عليه و سلم) يحرم الزنا، فسنرسل إليه، فأرسلوا إليه رسولاً، فسار إليه، فأخبره القصة، فغضب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) غضباً شديداً فلذلك قال " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
واستمر التقول على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في عصر الصحابة، وكان ذلك في روايات التفسير والملاحم حتى أن أحمد بن حنبل قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي" (2). ففي التفسير جاء أن مروان بن الحكم حين كان والياً لمعاوية على الحجاز طلب من الناس مبايعة يزيد ولياً للأمر بعد معاوية، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله عنه، والله ما جعلها في أحد من ولده وأهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرمة لولده. فقال مروان متقولاً على الله ورسوله: إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ الأحقاف: 17، فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري (3). وفي الملاحم جاء عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان
(1) مسند الربيع بن حبيب برقم 738، وقصة سبب الحديث برقم 739.
(2) السيوطي "الإتقان في علوم القرآن" المجلد الثاني ص354.
(3) البخاري 4827، ونص كلام عبد الرحمن لمروان من رواية ابن أبي حاتم في تفسير ابن كثير ج4ص173.