قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٥يسوق الناس بعصاه" (1)، رد هذا الحديث معاوية ابن أبي سفيان وقال: "أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم). وأولئكم جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها" (2).
ومن أوائل الأشياء التي طرقها الوضع في الحديث هي فضائل الأشخاص، حيث وضع كل أصحاب مذهب الأحاديث الكثيرة في فضائل أئمتهم ورؤساء أحزابهم. فقد تبنت الشيعة نظرية الإمامة الوراثية، وعلبوا للانتصار لنظريتهم روايات منسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) تزعم أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أوصى بالولاية من بعده لعلي بن أبي طالب ثم لسلسلة بعينها من أبناء فاطمة، وقابلهم أهل الحديث من شيعة معاوية بنصوص منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) هي عبارة عن مضادات نصية مقابلة للطرح الشيعي العلوي، ففي مقابل نص الوصية لعلي ظهرت أحاديث في صحيح البخاري وغيره يجزم الطبري والأشعري وابن حزم أنها نص في الوصية لأبي بكر، وفي مقابل الأحاديث التي أوردها الشيعة العلويون في الطعن على معاوية ظهرت أحاديث تسهب في فضله وكرامته فضلاً عن إثبات حكمه وخلافته، وفي مقابل فكرة المهدي العلوي التي اخترعها الشيعة، ظهرت نصوص عند أهل الحديث تتكلم عن مهدي غير علوي كالمهدي الأموي السفياني وكالمهدي العباسي (3).
وتفشى الوضع في الحديث بعد ذلك خاصة من قبل أعداء الإسلام الزنادقة ومنهم عبد الكريم بن أبي العرجاء خال معن بن زائدة وربيب حماد بن سلمة إمام أهل الحديث، وكان يدس الأحاديث في كتب حماد (4)، ولما أمر بقتله قال: "والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم" (5)، ورُوي عن المهدي أنه قال: "أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعة
(1) البخاري 7117 ومسلم [7308] 60 - (2910).
(2) البخاري 7139.
(3) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص235 - 236 بتصرف.
(4) ابن الجوزي "الموضوعات" المقدمة ص15.
(5) ابن الجوزي "الموضوعات" المقدمة ص15.