قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٨والتعصب المصاحبة لحمى الإنتقام. الأمر الذي ترك أثره الواضح في "القائمة النهائية للرجال" كما اعتمدها أحمد بن حنبل زعيم الحديثيين. فقد راح أحمد بن حنبل يمارس الجرح والتعديل بميزان مذهبي ضيق، وفرضت قضايا "المحنة" ذاتها على الميزان. وقد"سُئل إذا اجتمع رجلان، أحدهما قد أمتحن (من قبل السلطة في قضية خلق القرآن) والآخر لم يمتحن، ثم حضرت الصلاة فأيهما يقدم؟ فقال: يقدم الذي لم يمتحن. وسئل عمن قال لفظي (تلفظي) بالقرآن مخلوق. فقال: هذا لا يكلم ولا يُصلى خلفه، وإن صلى رجل أعاد". وهكذا كان أحمد (ومن ورائه كتائب التدوين) يرد كل من خالفه في هذه القضية ولا يقبل روايته. ثم زاد في ذلك حتى رد رواية "المتوقف" الذي لم يتكلم في مسألة خلق القرآن، فكان يقول "فلان واقفي مشؤوم" ولقد بالغ أحمد في ذلك حتى ذهب يقول: "لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين" رغم أن هذا الأخير أستاذه.
ونحن نعجب من هذا الموقف الحنبلي المتعصب، ونرى فيه ضرباً من السذاجة الفكرية وضيق الأفق، ونأسف شديد الأسف لأن أصحابه بالذات ودون غيرهم، هم الذين كتبوا علم الحديث ودونوا السنة، ثم شرعوا يكتبون الفقه ويقدمون باسم الإسلام منظومة مفصلة وجاهزة، هي تلك التي يتم توارثها بين المسلمين حتى اليوم.
ومما يزيد من هذا العجب أن أحمد بن حنبل لم يكن من المتشددين في توثيق الرجال، فقد كان يروي عن عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير. الذي قال فيه النسائي ليس بثقة. وقال الدارقطني: يترك، وقال ابن معين: كذاب خبيث عدو الله ليس بشيء … ومسند أحمد ملئ بأمثال عامر بن صالح، هنا يتجلى أثر الإنقلاب واضحاً في الجرح والتعديل، ومن ثم في قبول الحديث ورده، أو بعبارة مكافئة في ثبوت النص السني ذاته" (1).
الرابعة: "في نشوء هذا العلم ذاته دليل على وجود هذه الحالة التي استوجبت النشوء، أي حالة الطلب المتزايد على الحديث بشكل مبالغ فيه، مما لا بد أن يترجم إلى زيادة في العرض" (2)
(1) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص150 - 151.
(2) عبد الجواد ياسين "السلطة في الإسلام" ص237.