قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٩عملية تخييش الروايات:
ومع كل هذه الإرهاصات التاريخية التي شابت عملية تدوين وجمع الروايات المنسوبة للنبي (صلى الله عليه و سلم) والآثار المنسوبة إلى صحابته الكرام، ومع استفحال حالة العبث المفرط بالسنة تعليباً وتأويلاً من قبل السلطة والمذاهب الفقهية والكلامية المتناحرة، ومع فشوّ الوضع في الحديث من قبل أصحاب الأهواء وأصحاب العقليات الصوفية الخرافية، فإن عملية التصنيف والتبويب والتأليف في علم الحديث جاءت متأخرة جداً، حيث تمت في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري، وابتدأها الربيع بن صبيح ومالك بن أنس في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة والنسائي في القرن الثالث الهجري، والكثير من هذه الكتب إن لم يكن كلها قد طعن فيها أهل الحديث أنفسهم!.
فصحيح البخاري مثلاً طعن فيه كثير من أئمة الحديث، وقد أقرّ ابن حجر بوجود مئة وعشرة أحاديث منتقدة على صحيح البخاري (1)، وأهم تلك الانتقادات هي التي وجهها أبو الحسن الدارقطني في كتابه "العلل"، وقد أقرّ ابن حجر بقوة تلك الانتقادات، حيث قال: "وقال –يقصد النووي- في مقدمة شرح البخاري: فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جداً، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، فلا تغتر بذلك اهـ كلامه، وسيظهر من سياقها انها ليست كلها كذلك" (2). فابن حجر يقرّ أن انتقادات الدارقطني ليست واهية كما زعم النووي، علماً بان انتقادات الدارقطني كانت إسنادية بحتة، ولم تتطرق –كعادة أهل الحديث- إلى نقد المتون.
وقد تطرق محمد رشيد رضا إلى قضية الإشكالات الكثيرة في متون روايات البخاري حيث قال: "وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن، ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع تعارضها مع
(1) ابن حجر العسقلاني "هدي الساري" 502 - 543.
(2) ابن حجر العسقلاني "هدي الساري" ص502.