قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٨

روايات تطعن في الأنبياء عليهم السلام:

جاء في أحد الروايات أن موسى (عليه السلام) استقبل ملك الموت حين أخبره بموعد وفاته بلطمة على عينه فقأها!، فقد نُسب إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "أرسل ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت" (. (1)

وهذا الفعل لا تجوز نسبته إلى موسى (عليه السلام) لمخالفته للنصوص القطعية من الكتاب العزيز التي تؤكد على أن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر، يقول تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ المنافقون: 10 - 11.

والرواية تصف ملك الموت بصورة الآدميين، كما أنها تزري بالملائكة وتبين ضعفهم أمام النبي الذي يمجده اليهود!، مما يثير الريبة في مصدرها.

يقول الشيخ محمد الغزالي مستنكراً هذه الرواية: "وقد وقع لي وأنا بالجزائر أن طالباً سألني: أصحيح أن موسى (عليه السلام) فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟ فقلت للطالب وأنا ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة، ولا يرتبط به عمل! والأمة الإسلامية تدور عليها الرحى وخصومها طامعون في إخماد أنفاسها! اشتغل بما هو أهم وأجدى … وعدت لنفسي أفكر: إن الحديث صحيح السند، لكن متنه يثير الريبة، إذ يفيد أن موسى يكره الموت، ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوض بالنسبة إلى الصالحين من عباد الله كما جاء في الحديث الآخر "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه". فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولي العزم. إن كراهيته للموت بعدما

(1) من طريق أبي هريرة، صحيح البخاري 3407 وصحيح مسلم [6148] 157 - (2372).

٦٨ / ٢٦٦