قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٤ندم وإقرار بالخطأ:
نتيجة لإفراط أهل الحديث في الرواية وما شابها من صراع مذهبي، وتلبس البعض بالتدليس والوضع، وجدنا بعض أئمة الحديث يتلهفون على ماضيهم، ويسحون دموع الندم لإفراطهم في رواية الأحاديث الآحادية التي حذر منها الرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحابته الكرام، فها هو سفيان الثوري (ت 161هـ) يقول: "لوددت أني لم أكن دخلت في شيء منه –قال الخطيب: يعني الحديث-، ولوددت أني أفلت منه، لا عليَّ ولا لي" (1). وقال أيضاً: "ليتني أنجو منه كفافاً –قال الخطيب: يعني الحديث" (2). وقال: "ما أخاف على نفسي غير الحديث" (3). وقال: "وددت أن كل حديث في صدري، وكل حديث حفظه الرجال عني، نسخ من دري وصدورهم" (4). وقال أيضاً: "أرى كل شيء من أنواع الخير ينقص، وهذا الحديث إلى زيادة، فأظن أنه لو كان من أسباب الخير لنقص أيضاً" (5). بهذه الفلسفة البسيطة أدرك الثوري على إمامته ومنزلته بين أهل الحديث بطلان منهج المحدّثين.
بينما كان لمغيرة بن مقسم الضبّي (ت 130هـ) سبب آخر لمفارقته أهل الحديث بعد أن أفنى عمره بينهم وسبر أحوالهم، فقد قال: "ما طلب أحد هذا الحديث إلا قلت صلاته" (6). وقلة الصلاة ربما كان سببها استغراق هؤلاء في التحديث ظانين أنه من أفضل القربات إلى الله.
بينما يرى شعبة بن الحجاج (ت 160هـ) أن الاستغراق في الحديث يجرّد قلب المسلم من الإيمان الصادق، فقد قال عن سبب هجره لأهل الحديث ومفارقته لهم وتوبته عن منهجهم: "إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون" (7)، وقال
(1) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص117 برقم 264.
(2) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص117 برقم 265.
(3) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص121 برقم 279.
(4) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص119 برقم 272.
(5) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص123 برقم 286.
(6) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص112 برقم 250.
(7) الخطيب البغدادي "شرف أصحاب الحديث" ص114 برقم 256.