قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٦

الحديث الآحاد والعقائد:

يعلّمنا القرآن الحكيم المنهج القويم في التعامل مع الأخبار والروايات حتى لا ننزلق وراء الأهواء والرغبات، ونضيع في دائرة أوهام أصحاب المرويات، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات:6، واستفاضت الأخبار في أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي أمره النبي (صلى الله عليه و سلم) بالذهاب إلى بني المصطلق ليجمع الزكاة، وفي منتصف الطريق أوهمه الشيطان أن القوم سيغدرون به بسبب ثأر بينهم في الجاهلية، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) وقال له: إن القوم منعوني الزكاة وأرادوا قتلي. فنزلت الآية لتفضح أمره (1).

فبينما يقول أهل الحديث إن الصحابة كلهم عدول لا يرقى إليهم جرح (2)، نجد أن القرآن الكريم قد أثبت أنهم ربما لا يصدقون في روايتهم!. فكيف بغيرهم من الناس؟!.

إن هذا النص القاطع من الكتاب العزيز يوضح لنا أن الشخص الذي يأتينا بالخبر لا يمكن أن نقطع بصدقه ما لم يكن معصوماً كالأنبياء، أما الصحابة ومن دونهم فهم غير معصومين من الكذب والوهم والنسيان، فلهذا فإن مبلغ إفادة خبر الرجل الثقة هو العلم الظني الذي يحتمل الصدق والكذب، ولا يمكن أن يصل خبر هذا الشخص الواحد –الآحادي كما في مصطلح علم الحديث- غير المعصوم إلى درجة العلم اليقيني إلا إن جاء من طريق مجموعة كبيرة من الناس يستحيل تواطؤهم جميعاً على الكذب، وهذا الخبر يسمى عندئذ بالخبر المتواتر.

ومن الدلائل على ظنية حديث الآحاد:

أولاً: العوامل البشرية الداخلية التي تعتور الراوي وهي نوعان: إرادية كالكذب والتدليس، ولا إرادية كالوهم والخلط والذهول والنسيان.

(1) تفسير ابن كثير ج4ص228.

(2) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علم الحديث" ص182.

٧٦ / ٢٦٦